العدواني في ذاكرة الجزائريين والتونسيين
الدكتـــور أبو القاسِم سَعدَ الله محقق التراث الجــزائـري
(قراءة في عيِّنَـةٍ مِـنَ التُّرَاثِ الجـزائري خلال القــــرن السابـع عشر).
الكاتب: الدكتور محمد الأمين بلغيث – تاريخ الموضوع: 2007-06-24
مدخل عام:
لم يدون الجزائريون تاريخهم، بل الغالب على أسلافنا إهمال التدوين
و”آفة الحفظ عدم التقييد” ولعل من حبَّبَ إلينا الجزائر والتدوين في أَدَقِّ خصوصياتنا الشخصية، هو المحتفى به شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله حفظه الله.لقد كان يشجعنا ولا يزال على الكتابة ونحن في مرحلة الطلب، وقد لا أفي حق الرجل فهو بموسوعته الراقية “تاريخ الجزائر الثقافي” قد بنى للجزائر هرمًا تفتخر به الأجيال، فقد تمثل لي الدكتور سعد الله في همة الرجال الكبار، وحدس المؤرخ الرسالي كهمم إخواننا المصريين، فكل واحد فيهم يرى نفسه قادرًا على أن يكون هرمًا جديدًا يضاف إلى أهرامات مصر الخالدة.
هذه الهمة العالية هل هي التي تدفع شيخ المؤرخين إلى العمل والمشاركة في إعادة عصر التدوين من جديد إلى وطنه الصغير الجزائر خاصة وعالمه العربي والإسلامي عامة.لأنه يدرك حقيقة التاريخ، فنحن نتساءل معه كيف انتصرت علينا قوة “التقدم” كما يسميها الدكتور فارنييه في عمله “الجزائر أمام الإمبراطور”(1).
لعلني لا أبالغ فأرى من خلال تجربتنا التي تزيد عن ربع قرن ونحن نقرأ ما ينتج الأستاذ الكبير سعد الله فأقول إنه المؤرخ الموسوعي، متعدد المشارب والاهتمامات، فقد قرأنا له ما كتب في مجلة الآداب وقد كان شابًّا يافعًا يشارك في التأسيس للقصيدة الحرة، فهو بحسب النقاد من أوائل الشعراء الجزائريين الذين كتبوا القصيدة الجديدة، خارج دائرة القصيدة التقليدية العمودية، كما شاهدنا همته وهو يقوم بتدوين تاريخ الجزائر بداية من 1830 إلى غاية 1945م، بوعي نادر يسابق به الزمن وهذا في عمله الموسوعي “الحركة الوطنية الجزائرية” كما ساهم مساهمة بالغة في تسجيل وتدوين تاريخ الجزائر الثقافي بداية من القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن العشرين(1954م).
وبحكم تعامل شيخ المؤرخين مع العصر العثماني فقد بذل مجهودًا مضاعفًا لتجلية حقائق هذا العصر بما فيه من نشاط علمي تقليدي وحركة تعليمية أهلية، متتبعًا منحنيات هذه المرحلة، ونحن نعيش لحظة لا تجود بها الأيام إلا قليلاً، أبسط حديثي عن الدكتور أبي القاسم سعد الله شيخ المؤرخين محققا للتراث الجزائري، مستعينا بعينة من القرن السابع عشر، نظرًا لاهتمامي الشخصي بهذا القرن العصيب منذ مدة لا بأس بها لعلني أساهم بالتنبيه إلى وعي المؤرخ المحقق بأهمية المرحلة التي كانت فيها الجزائر واجهة للصراع بينها وبين القوى الاستعمارية الجديدة أسبانيا والبرتغال ثم فرنسا وبقية الدول الأوروبية القومية الأخرى، التي عانت الجزائر ودول المغرب العربي من عدوانيتها في مطلع القرن السادس عشر الميلادي.
العينة موضع الدرس تخص كتاب محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية، ومنشور الهداية لشيخ الإسلام عبد الكريم الفكون.
هذا ليس معناه أن شيخ المؤرخين الجزائريين لم يهتم بنصوص تراثية أخرى، بل نجده محققا وناشرًا لنصوص في غاية الأهمية في الأدب، والرحلات، ونصوص هامة،مثل “حكاية العشاق في الحب والاشتياق”وهي رواية شعبية من تأليف محمد بن إبراهيم(أو الأمير مصطفى) طبعتها الأولى تعود إلى عام 1977م.ورحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة”لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال” للطبيب والفلكي والرحالة عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري وهو من علماء القرن الثامن عشر المسيحي من منشورات المكتبة الوطنية الجزائرية عام 1983م.إلا أن سبب اختياري للقرن السابع عشر تحديدًا لأنه القرن الذي اصطلح على تسميته كثير من الباحثين بالقرن العصيب، وهو القرن الذي جاء بعد قرن الكارثة أي القرن السادس عشر في المشارق والمغارب. ورغم أن الأستاذ شيخ المؤرخين سعد الله يصف العصر بجملة من الأوصاف الحقيقية التي تعبر عن معرفة دقيقة للأحداث، فقد كان العصر الذي دار فيه الصراع بين الإسلام الذي تمثله الدولة العثمانية والمسيحية التي تمثلها الدولة الأسبانية، وكان مسرحه هو البحر الأبيض المتوسط، وشواطئه الشمالية والجنوبية.وقد لعبت الجزائر في ذلك الصراع المرير دورًا طليعيا تمثل في عمليات الجهاد البحري التي يصفها الأوروبيون بالقرصنة، والمعروف أن قوة الأسطول الجزائري قد بلغت قمتها في القرن السابع عشر حين خرج ذلك الأسطول إلى المحيط الأطلسي أيضًا وهدد شواطئ أوروبا الغربية(بما في ذلك أيرلندا) وحتى أيسلندا ونيوفولند؟ (2).
إن موضوع المجتمع من أساسيات المؤرخ وحقله الواضح لدراسة الأخبار والتقاليد ومن آليات المجتمع التقليدي في المغرب العربي، فهم الذهنيات من خلال الطقوس والسلطات المهيمنة على المجتمع، ونحن في هذه المرحلة في أمس الحاجة إلى قراءة تاريخنا قراءة واعية لفهم الآليات المحركة للمجتمع، ومن محاسن الظروف أن تتوفر لنا في هذا العصر مجموعة من التقييدات والنصوص التي يطلق عليها علماء الاجتماع وأصحاب الدراسات الأنثروبولوجية، التصانيف المنقبية التي تعالج أخبار وسلطات أصحاب المناقب من المتصوفة والصلحاء والأولياء ورواد الطرق الصوفية
أو كما تطلق عليها أيضًا المدرسة الإستشراقية الجمعيات السرية أو السياسية وفي الدراسات الأخيرة أصبحت هذه الطرق يطلق على سلوكاتها واعتقاداتها “الإسلام الطرقي”(3) أو إسلام أصحاب الزوايا والتكايا والطرق الصوفية.وهذه الأدبيات التقليدية مختلفة مثل كتب المناقب والتراجم والتصانيف الإخبارية، وغالبًا ما همشها البحث العلمي بدعوى عدم الوثوق بها من جهة نظر المنهجية الوضعية، لأنها لا تتوفر على الماد المدققة التي توجد في الدفاتر الجبائية والمراسلات الرسمية والمستندات العائلية والعقود وغيرها من الوثائق(4).
أسعفنا الأستاذ الكبير أبو القاسم سعد الله بنشر وتحقيق نصين أساسيين في هذا المجال هما: “منشور الهداية” لشيخ الإسلام عبد الكريم الفكون القسنطيني، والنص الثاني “تاريخ العدواني”، ويقابل هذه النصوص في الجـهة الغربية من الوطن النص الذي عرفنا به شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله نفسه وهو:” كعبة الطائفين” لمحمد بن سليمان الجزولي(5).
وكم كنت سعيدًا وأنا أكتشف ولأول مرة تاريخ العدواني، إنه يعبر عن حياة وتاريخ منطقة واسعة من تونس والجزائر، تاريخ صنعته القبائل العربية وشخصيات تاريخية، كان زمنها القرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر الميلاديين، ومنذ أن فُتِنَّا بقراءة تاريخ العدواني الذي نشره شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله، وأنا واحد من الذين لا يملُّون من قراءة تاريخ العدواني لإحساس خاص أننا طرف في أحداث المنطقة من فركان ونقرين وحاسي خليفة إلى غاية جبل ششار العتيد، معقل القبائل العربية الثائرة على بايات قسنطينة وتونس.
إن قراءة أخبار المجتمع، وتاريخ المنطقة التي يؤرخ لها العدواني، خلال القرنين المذكورين وخاصة القرن السابع عشر، قرن الأهوال، قرن الكوارث، قرن الأمراض والأوبئة القاتلة، وعزلة الفرد والقبيلة والمجتمع عمومًا، طرحت علينا، قراءة تاريخنا الحديث، قراءة نقدية، مع تسجيل ما يمكن تسجيله، من أحداث المرحلة، ويبقى تاريخ العدواني اللَّجي السوفي،ومنشور الهداية للفكون محور هذه المحاولة المتواضعة. فمع تاريخ العدواني نجد أنفسنا نتعامل مع نص عصي، صعب لم أطرافه، كما أننا مع أديب ورحالة ومؤرخ وواحد من شيوخ العصر الذين رفضوا شرعية الحكام الذين يعيشون بينهم، وهذا واضح في نصوص متناثرة، من تاريخه.
لقد أَعاد شيخ المؤرخين الجزائريين الحياة إلى تاريخ الشيخ محمد بن عمر العدواني “ومن وَرَّخَ لمؤمن فقد أحياه” كما جاء في الأثر، وقد تعاملت مع تاريخ العدواني ضمن كتابي المشار إليه أدناه بحذر، وخوف حتى لا أزور كلماته وفهمه للحدث التاريخي، لهذا أجد نفسي أمام سرد تاريخي مفتوح على كل تأويل، وقابل لكل قراءة لهذا عاهدت نفسي أن أُعيد صياغة الكتاب والنص الذي بين أيدي القراء ورجال التاريخ وعلماء الإجتماع،وقد يطول هذا العمل لهذا بادرت بإخراج المحاولة الأولى المتواضعة في مارس سنة 2002م، -وأهديت الكتاب إلى شيخ المؤرخين وخرج الكتاب في طبعة متواضعة، قد تصدر قريبًا في طبعة أنيقة -(6) لإيماني الشديد أن الكتابة مقدسة، والنص المكتوب إضافة وتراكمات قد تنفع في فهم جدلية المجتمع الذي يؤرخ له العدواني إن لم يكن اليوم فقد يجود علينا المولى عز وجل بشخصية فذة كابن خلدون، أو مالك بن نبي أو شيخ المؤرخين الدكتور أبي القاسم سعد الله أو غيرهم من الرجال الأفذاذ الذين يدركون بحدسهم الأشياء قبل أن تقع لفهم لغة التركيب والتجميع والفهم وهؤلاء هم العقلاء وفلاسفة التاريخ، وليس هذا بعجيب على المدرسة التاريخية التي أنتجت لنا أعلام التاريخ الإسلامي.
تحقيق التراث الجزائري عند شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله
تعامل الدارسون مع النصوص الخطية بطرق شتى، ووضعوا بعد تجارب طويلة قاعدة تعتبر من الثوابت في إخراج النص المخطوط إلى الوجود، ومن الأهمية بمكان ونحن نخاطب وجوه معلومة ذات باع في التعامل مع المخطوطات على أيدي كثير من المحققين والدارسين في المشرق والمغرب، أن نذكر بأن تحقيق التراث قد مرَّ بمجموعة من المراحل حتى يصل إلى القارئ المهتم إلى قراءة ومطالعة النص والكتاب المفترض أنه هو الأقرب إلى نسخة المؤلف، ومن بين ما اصطلح على اتباعه في التحقيق الحصول على أكبر عدد ممكن من المخطوطات والنظائر، فتقابل كلمة كلمة مع إشارات تقنية إلى اختلافات النسخ الأخرى مع النسخة المتخذة نصًّا أصليًّا، والتحقيق مهمة شاقة، قد تأخذ من المحقق دهرًا ، يقول أبو القاسم سعد الله عن لسان المقال لابن حمادوش الجزائري” لو قيل لي عن التعب الذي سيصادفني من جراء تحقيق هذه المخطوطة قبل الإقدام عليه لما صدقته أو لما أقدمت أصلا.وعلى كل حال فقد أصبحت الآن لا أغبط المحققين للنصوص القديمة تحقيقا علميا، لأنهم بدون شك يعانون الكثير ويربحون القليل، وكل جزائهم فيما يبدو هو رضى النفس والوفاء لصاحب النص وراحة الأجيال.ولعل الصعوبة التي واجهتني أنا بالخصوص تعود إلى أمرين، الأول تعدد موضوعات النص والثاني توفر نسخة واحدة فقط من المخطوطة”(7). كما اصطلح كثير من المحققين على التعليق على كل غريب يرد في النص التراثي مع تخريج الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، والأمثال العربية والأشعار وكل ما ورد في النص مساعدة للقارئ من جهة وإتمام مهمة المؤلف الأصلي بإحالة القارئ والباحث إلى ما ييسر له قراءة المخطوط بيسر وسهولة، وهذه معاناة لا يصبر عليها إلا من يحمل رسالة في الحياة.
ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الأصعب التي يعاني منها الكثير وهي طباعة العمل في دور النشر المحلية أو العربية أو العالمية وهذا يعتبر من بين مشاق تمتين علاقة الأجيال الصاعدة بتراث الأجداد الذي لا زال معظمه في حكم المخطوط خاصة في الرياضيات والعلوم الفلكية والطبية والهندسة والفلاحة وغيرها من المصنفات الصعبة كما عبر عن ذلك أهل الاختصاص أمثال الباحث القدير محمد سويسي، والباحث رشدي راشد، وهي نفس المعاناة التي حدثنا عنها الدكتور أبو القاسم سعد الله وهذا لتعدد مجالات الرحلة، لسان المقال، فقد يعترض المحقق مصطلحًا أو كلمة تعوقه عن مواصلة العمل، ونادرًا ما نجد من يفك رموزها وهو ما نراه في أعمال الدكتور سعد الله، إلا أن الله رزقه “الخل الوفي” المغفور له بإذن الله العلامة محمد الطاهر التليلي وغيره من العلماء الذين يراسلون الأستاذ أين ما يحطّ رحاله صحبة كنوزه ووثائقه وإضباراته، أمثال الشيخ المهدي البوعدلي وعبد المجيد بن حبة.
وكلما قرأت للأستاذ سعد الله وجدته يذكر من ساعده ومن يدين له بهذه أو تلك فمنشور الهداية كان عبارة عن بطاقات ساعدت المؤرخ في أعمال ومشاريع ثقافية وعلمية، وأنه يصدق من يقول قبل أن يحقق مخطوطًا أنه قرأ المخطوط أكثر من مرة قد تصل إلى العشر، ذلك أنني أنا شخصيا وهذا كلام المحقق سعد الله ربما قرأت منشور الهداية ربما أكثر من ذلك، ولم أكن إذ ذاك قد فكرت في تحقيقه، ثم اقتنعت بفائدة تحقيقه فعزمت على ذلك رغم أنني لم أكن من المحققين بالمعنى الفني للكلمة، ولكن عزَّ علي مخطوط كهذا على جانب كبير من الأهمية يظل طيلة أربعة قرون حبيس المكتبات الخاصة(8).فإذا كان من أصعب المراحل عد التحقيق، نشر العمل فلا يمكن لنا إلا التنويه بالمجهودات الكبيرة التي عرفها ناشرو أعمال شيخ المؤرخين من بيروت، إلى تونس فالجزائر من خلال مطابع الشركة الوطنية النشر والتوزيع، ثم المؤسسة الوطنية للكتاب، فدار الغرب الإسلامي وصاحبها الشيخ الفاضل الحبيب اللَّمسي ناشر تراث الغرب الإسلامي، الذي نشر أهم عمال سعد الله التي تلقى رواجًا كبيرًا في البلدان العربية التي لم يصلها إنتاج الجزائريين لظروف يعلمها الجميع، وهو ما نجده في إحالات المشارقة والمغاربة على كتب شيخ المؤرخين سفير الثقافة العربية الجزائرية في غياب مؤسسة رسمية تتبنى خطة توصيل الإنتاج الفكري الجزائري إلى كل راغب لمعرفة مساهمة الجزائريين الثقافية والعلمية والفنية بعد استعادتهم لسيادتهم الوطنية منذ عقود أربعة ونيف.
لقد قدم شيخ المؤرخين للتاريخ الجزائري في العهد العثماني خلال القرن السابع عشر عملا لا يستهان به أولهما منشور الهداية لشيخ الإسلام عبد الكريم الفكون القسنطيني، والثاني تاريخ العدواني، فالأول منشور الهداية لمؤلفه عبد الكريم الفكون، وهو من عائلة وابن مدينة وابن عصر، فهو ابن عائلة عريقة من تميم ذات التاريخ العريق، ومن أبرز أفراد هذه العائلة عبد الكريم ففي عهده بلغت عائلة الفكون أوج قوتها المادية والمعنوية، إذ أصبحت تتمتع بأموال طائلة وأملاك واسعة ومداخيل رسمية ودينية، كما أصبحت تتمتع بنفوذ روحي بلغ درجة قصوى عندما كان الهارب إليها ولو كان مرتكبًا لأعظم الأخطاء، ولو كان من أكابر الناس والحكام، لا تلحقه إذاية بل يجد الحماية والملجأ والأمن، كما تمتعت العائلة بعده بقيادة ركب الحج الجزائري إلى الحجاز، مع ما في ذلك من المكانة في الجزائر وفي البلدان الإسلامية التي يمر بها بين الشعوب والحكام على السواء.ثم إن الفكون ابن مدينة هي قسنطينة، فأجداده الأقدمون الذين قد يعودون إلى القرن الخامس الهجري، مدفونون بها، ولهم فيها زاوية تحمل اسمهم لاستقبال الضيف من الفقراء والغرباء، ولهم مدرسة باسمهم لتعليم العلم لطالبيه من طلبة الجزائر وغيرها وقسنطينة كانت عاصمة إقليمية كبيرة في مختلف العهود، خصوصًا العهد الحفصي والعثماني، أما كونه ابن عصره فنحن نعرف أن الفكون قد ولد سنة 988هـ/1580م وهو تاريخ له دلالته بالنسبة لمن يعرف أحوال المغرب العربي والعالم الإسلامي عمومًا ففي القرن السادس عشر والسابع عشر الميلاديين(9) ظهرت أكبر قوة عالمية هي الإمبراطورية العثمانية، فمنذ القرن السادس عشر والسابع عشر أصبحت قوة عظمى، بل حتى وبفضل توسعها، قوة أوروبية لا يستهان بها، وصارت إقامة علاقات سياسية معها ضرورة ملحةً بالنسبة لسائر القوى، ومنذ نهاية القرن السابع عشر، أدخلت القوى العظمى الإمبراطورية العثمانية في لعبة التوازن الغربي(10).
إن مهمة شيخ المؤرخين في تجلية أحوال القرن السابع عشر من خلال نشر منشور الهداية والاعتناء به تحقيقًا وتعليقًا ونشر له دلالة في وعي المؤرخ، فالمنشور بحسب قراءة المحقق سعد الله من خلال محتواه لا يعبر عن مكانة عبد الكريم العلمية ، فهو عالم كبير، وصاحب علاقات واسعة ومعرفة كبيرة بعصره، لهذا يرى سعد الله أن فهم الفكون للتاريخ ربما نابع من رؤيته إلى رجل العلم والدين الخاصة الذي يؤمن بعدم التدخل في الشؤون السياسية(الدنيوية) والمحافظة على مكانة رجل العلم والدين أمام رجل الحكم والسياسة، ونحن نتبين ذلك من الإشادة بموقف جده بإصراره على قتل اليهودي المسمى المختاري الذي تعرض للرسول(صلى الله عليه وسلم) رغم معارضة القضاة والحكام والجنود الخ. كما نلمحه في استنكاره الدائم لتصرفات العلماء الذين باعوا أنفسهم-في نظره- للحكام، فأهانوا العلم والدين معًا.وقد يكون هذا التفسير قائمًا على مبادئ الطريقة الزروقية(طريقة الشيخ أحمد زروق) الصوفية التي ينتمي إليها الفكون، وهي طريقة تؤمن بـ”ملازمة السمع والطاعة لأمراء المسلمين وعامتهم وخاصتهم من أهل الله، فلا يخالف عليهم بقول و لا بفعل بل بإيمان وتسليم”(11). والوجه الثاني أن يبرر سلوكه في هذا الكتاب أنه كتاب للنصح العام ولا يتعرض للسياسة العامة، ولضرورة التخلص من الشعوذة والخرافة التي حلت بعقائد المسلمين.
إن صاحب منشور الهداية يتحدث عن المنافسات داخل المجتمع القسنطيني والمواجهات التي وضعت رموز العائلات الكبرى في صراع من أجل الجاه والثروة، من ذلك طبعًا صراع عائلة عبد لمؤمن حول الخطط البارزة مثل إمارة ركب الحج التي عادت إلى آل الفكون بعد الغدر بشيخ عائلة عبد المؤمن المعارض للوجود التركي والتمثيل بجثته قال الحاج أحمد بن المبارك بن العطار:” ونزل الأتراك بسطحة المنصورة وشرعوا في بناء قصبة هناك لعسكرهم وأظهروا العدل والسياسة وخالف سيدي عبد المؤمن وأهل حومة باب الجابية على الترك وقابلوهم ثلاث سنين إلى أن تحيلوا على الشيخ سيدي عبد المؤمن وكانت له مشيخة فصالحوه ولم يزالوا ينصبون له حبائل المكر والخداع حتى تمكنوا به، دعوه للضيافة بقصبة المنصورة فأجابهم وخرج إليهم آمنًا فقتلوه وسلخوا جلده وملأوه قطنًا وبعثوا به إلى الجزائر ودفنت جثته بمسجده المعروف به اليوم”(12).وأشار الفكون في منشور الهداية إلى الحالة التي كانت عليها البوادي والتي لم تكن أحسن حظًّا من التجمعات الحضرية الكبرى، فقد شاعت على حد الفكون الإغارة وامتد مجال الشعوذة والدجل واحتدم التنافس بين من وصفهم المنشور”بالظلمة والحرابة واللصوص والأعراب وغمريان…إلخ” مما يؤكد الحالة البائسة التي كان عليها إقليم الشرق إبان انتفاضة ابن الصخري، غير أن هذه الإشارات التي يقدمها صاحب المنشور لا تغني عن الحال إضافة إلى تعتيمها عن الأسباب الحقيقية التي سبقت انتفاضة الشرق الجزائري، وتناقضات مصالح الزعامات والزعانف المحلية في إقليم بايلك الشرق، فتلك الزعامات المتشبثة باستقلالها وخصوصياتها التنظيمية، اعتبرت أن حضور العثمانيين يجب أن يقتصر على صد الخطر الأسباني خاصة بعد أن عبر هؤلاء عن توجهاتهم العدائية والإقصائية تجاه الأطراف المحلية، بينما شدد حكام الجزائر على ضرورة تنظيم الإقليم بالشكل الذي يتيح لهم فرض سيطرتهم، معتمدين في ذلك على كل الوسائل التي تراوحت بين المناورة السياسية والحملات العسكرية القمعية والعنيفة، إلى أن اتفقت القوى المحلية والسلطة التركية على صلح بينهم(13).
النص التراثي الثاني تاريخ الشيخ محمد بن عمر العدواني
النص الثاني العائد تقريبًا إلى القرن السابع عشر الميلادي هو تاريخ العدواني لقد قدَّم لنا شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله بعض المفاتيح الضرورية لفهم بعض الكلمات المغلقة بحكم تجربته الطويلة مع الكتاب، كما أن متتبع نصوص وأسلوب العدواني يكتشف بعض الحقائق الهامة، وبعض الكلمات والأمثال الهامة لفهم فلسفة التاريخ عند أسلافنا في عصر العدواني.
وأول ملاحظة سجلها الدكتور سعد الله حيرته من تأخر نشر تاريخ العدواني وأرجعها إلى مجموعة من الأسباب رغم كثرة نصوصه بين أيدي الناس في الصحراء وبالوادي وقراه خاصة وتونس عامة، وأهمها:
- لعل ذلك يرجع إلى كونه كتابًا يتعرض للحروب القبلية والغزوات على الطريقة القديمة والصراع من أجل البقاء بحثًا عن المراعي والرزق والأمن وطلبًا للحرية وبعيدًا عن السلطة(المخزن) وضرائبها وتضييقاتها.
- هناك من لا يرغب في إحياء الماضي خوفًا من التاريخ الذي يدين أحيانًا الدول كما يدين القبائل والأفراد.
- ثم قلت لعل ذلك يرجع إلى ما فيه من قصص وأخبار وحكايات هي أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة، أو إلى طريقة السرد الساذج التي يسير عليها حتى كأنك حين تقرأه لا تعرف نفسك هل أنت طالب معرفة أو طالب تسلية، وهل أنت تتعامل مع نص تاريخي جاد أو نص أدبي خفيف.
- كثرة النسخ وكثرة من رجع إلى تاريخ العدواني ومنهم العوامر صاحب الصروف في تاريخ الصحراء وسوف، وتاريخ عرفة الشابي لعلي الشابي التونسي الذي يؤرخ لأسرته الشابية وكل الذين سجلوا تاريخ الجريد والقبائل العربية في منطقة واسعة من طرابلس إلى الأوراس ومع ذلك بقي الكتاب رغم نشرة شارل لورنت فيرو في حكم المخطوط و”بقدر ما لاحظنا كثرة النسخ المخطوطة وترجمته وتعدد الأخذ منه، بقدر ما لاحظنا أيضًا أنه غير معروف تقريبًا في غير منطقة سوف، فهل هو كتاب خاص بسوف؟ طبعًا لا. إنه كتاب يضم أخبارًا هامة، كما لاحظنا، عن الجزائر وتونس وليبيا وحتى المشرق العربي، ويضيف أبو القاسم سعد الله فيقول وقد استغربت من أن كتبا ألفها أصحابها عن الجريد التونسي أو عن طرابلس أو عن الأوراس والزيبان ولا يعودون فيها إلى كتاب العدواني.كما استغربت من جواب أحد علماء توزر سنة 1989م عندما نفى علمه بالعدواني وبكتابه ، رغم أنه كتاب يضم أخبارًا مستفيضة عن توزر وحكم أولاد الهادف فيها(14).
يتميز فهم العدواني للتاريخ بأسلوب مثقف القرن السابع عشر الميلادي، رغم بساطة لغته التي تغلب عليها العامية أحيانًا، كما أن الكرامة والخرافة تأخذ مجالها في ثنايا الكتاب، ومن أهم ما لاحظه المحقق وكل من قرأ تاريخ العدواني أسلوب الموعظة الظاهرة في خواتم فقراته.
تاريخ العدواني مادة ثرية لقراءة أخبار منطقة سوف والزاب والأوراس جنوبًا وتبسة وغيرها من المناطق الجزائرية كما أصبح مادة مصدرية أساسية لأكبر حركة سياسية وإصلاحية عرفتها بلاد الجريد والبلاد التونسية عموما هي الطريقة الشابية(15) لم يكن هذا فقط، فقد كان ولا يزال كتاب العدواني يشكل مادة ثرية للعائلات الوجيهة والقبائل والقرى والحواضر في صحراء سوف وغيرها وبانتشار هذا المصدر بين أيدي المؤرخين وعلماء الاجتماع فإننا نكتفي في هذه العجالة أن نقول أن قراءة تاريخ العدواني ممتعة ومسلية ولكنها تحتاج إلى فريق كبير من الدارسين والمحققين في شتى أصناف العلوم لرسم الخريطة الضرورية للمعلومات القوية التي جاءت في الكتاب.
تاريخ العدواني، شاهد على السلطة في الجزائر وتونس، ومشارك في العلاقات التي ربطته أو ربطت أمثاله من العلماء والشيوخ والصلحاء بالقبائل في صحراء سوف والجريد التونسي، كما كان ناقدًا للسلطة القائمة في تونس خاصة؛ التي اتهمها بالانحياز إلى النصارى والاعتماد في تعاملهم المالي الربوي على يهود البلاد على حساب الرعية الفقيرة البائسة، غير أن الغائب عند الراوي، وعند العدواني طبعًا، ذكر مصادره، وفي كثير من الأحيان ينسب بعض المواقف إلى الراوي، وفي اعتقادنا، هو ناقل لأخبار غيره من كتب المتقدمين من أصحاب المناقب وكتب الطبقات، كما فعل حينما سُئِلَ عن اليهود(16)، وذكر القصة المنسوبة لأحد صلحاء رباط سوسة في العهد الأغلبي، وتحذيره لأصحابه من مداخلة اليهود الذين يَكِنٌّونَ كرهاً شديدًا للإسلام والمسلمين. وقد كان اليهود ومنذ القديم كما خلص إلى ذلك أحد الباحثين أنهم شكلوا فئة من الوسطاء في التجارة الدولية التي ربطت هذه المرحلة من عصر العدواني بين سلع إفريقيا الغربية وأوروبا، مما أدى بهم إلى احتكار النقاط الحساسة ومراكز الطرق التجارية البرية والموانئ البحرية.
وأخلص أن التجاوز الممكن عن مصداقية السرد التاريخي، وذكر المصادر التي استقى منها كثيرًا من المعارف والمعلومات والأخبار الدقيقة، تقرب لنا الصورة أن الرجل رحالة وتاجر كبير، وعالم صوفي؛ تجول في، الشلف، الأوراس، بسكرة وورقلة، واستوطن الجريد التونسي مدة إملائه لرحلاته ومذكراته.كما أن الشيخ العدواني من الفقهاء الذين ذاقوا مرارة التعسف والاستبداد، فلا عجب في ذلك إذا كانت أغلبية من الفقهاء وشيوخ العصر المستقلين غير مطمئنين إلى شرعية ولاية من يعيشون تحت سلطتهم في مرحلة مبكرة من التأسيس لنظام عثماني في تونس والجزائر وطرابلس.
وقد أجمع كل من تناول كتاب العدواني بالدراسة أن الكتاب الأصلي مفقود وما بقي منه مجرد ذكريات مختصرة عن تاريخ سوف وطرود وعدوان والشابية، والحنانشة والذواودة وغيرها من الموضوعات غير المرتبة من الذاكرة الشعبية مستوحاة من تاريخ العدواني.
خلاصة القول: أخلص بعد هذه المحاولة المتواضعة إلى القول أن شيخ المؤرخين الجزائريين وهو يقوم بتحقيق ونشر هذه النصوص التاريخية التي ترجع إلى القرن السابع عشر قد خدم التراث الجزائري خدمة جليلة لا يمكن أن تمر دون التنويه بها، فقد غطى النصان المذكوران فجوات ومساحة كبيرة في الذاكرة الجزائرية التي ملأها من انتصر علينا عسكريا واحتلوا مساحة كبيرة ضمن مخيالنا الثقافي في غياب من يعيد للجزائر ذاكرتها الجماعية التي فقدتها طيلة قرن وأزيد من ثلث القرن بفعل عدوانية واستعمار مغول القرن التاسع عشر والقرن العشرين لأرضنا، وإبادتهم لأهلنا، وتهجيرهم وقتلهم وتشريدهم لنخبتنا العالمة، وعمرت القطر بشذاذ الأفاق، والذين لا موضع قدم لهم في بلدانهم.
____________________
(*)- مداخلة قدمت في الندوة العلمية الدولية الخامسة حول الأعمال التاريخية والأدبية والفكرية بمناسبة تكريم شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله.أيام 20-21- ذي القعدة 1424هـ/12، 13 جانفي 2004م بمخبر الدراسات التاريخية والفلسفية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قسنطينة. وأضفت إليها ما رأيته مناسبًا وأنا أنشرها ضمن هذا الكتاب.
(1)- د.وارنيه، الجزائر أمام الإمبراطور، ص:70 نقلا عن د.سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية(الجزء الأول، القسم الثاني)1860-1900، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2000م.ص:141.
(2)-شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون(1073هـ/1662م)، منشور الهداية في كشف حال من ادّعى العلم والولاية، تقديم وتحقيق وتعليق، الدكتور أبو القاسم سعد الله، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1408هـ/1987م.ص:8.
(3)-لطيفة الأخضر، الإسلام الطّرقي(دراسة في موقعه من المجتمع ومن القضية الوطنية)، تونس، سراس للنشر،1993م.ص:4.
(4)-لطفي عيسى، مدخل لدراسة ميزات الذهنية المغاربية خلال القرن التاسع عشر، تقديم بقلم على اللواتي،تونس، راس للنشر،1994م. ص:6 (مقدمة الكتاب).
(5)-الدكتور أبو القاسم سعد الله، الجزائر في القرن الحادي عشر(17م) حسب مخطوط كعبة الطائفين(أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر)، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1990م.ط.3.ص:159-176.
(6)- محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية، الجزائر، كريستال برنت،1423هـ/مارس 2002م.ص :13.
(7)- عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري، رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة” لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال » تقديم وتحقيق وتعليق، الدكتور أبو القاسم سعد الله، الجزائر إصدارات المكتبة الوطنية، سلسلة رحلات ومذكرات رقم/1.الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1983م.ص:19.
(8)- شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون، منشور الهداية، ص:22.
(9)- نفسه، ص:7-8.
(10)- شفيق محسن، الدولة العثمانة والحاضرة العثمانية(مجلة الاجتهاد) العددان الواحد والأربعون، والثاني والأربعون، بيروت، شتاء وربيع 1419هـ/1999.ص:156 وما بعدها.
(11)- شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون، منشور الهداية، ص:9.د.أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي(1500-1830)، الجزء الثاني، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1998م.ص:81.
(12)- الحاج أحمد بن المبارك بن العطار، تاريخ قسنطينة، تحقيق المرحوم رابح بونار،دون طبعة ودون ناشر.ص ص:57-58. العنتري، محمد الصالح، فريدة منسية في حال دخول الترك بلد قسنطينة واستلائهم على أوطانها أو تاريخ قسنطينة، مراجعة وتقديم وتعليق يحيى بوعزيز، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1991م. ص:68.
(13)- لطفي عيسى، مدخل لدراسة مُميزات الذهنية المغاربية خلال القرن التاسع عشر،ص:45.الحاج أحمد بن المبارك بن العطار، تاريخ قسنطينة،ص: 57-58. دلندة وعبد الحميد الأرقش وجمال بن الطاهر، مقدمات ووثائق في تاريخ المغرب العربي الحديث، تونس، منشورات كلية الآداب بمنوبة، 1995م.ص:111.
(14)- تاريخ العدواني، ص:12.
(15)- د.محمد الأمين بلغيث، الطريقة الشابية في تونس والجزائر “محاولة لرسم مسار الحركة” خلال القرنين 16 و17(المجلة التاريخية المغاربية، العدد:114)مؤسسة التميمي، تونس، 2004م.ص:37-48.
(16)- الدكتور محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني، ص:60.
الكاتب: الدكتور محمد الأمين بلغيث – تاريخ الموضوع: 2007-06-24


