الأستاذ الدكتور المؤرخ رابح بلعيد قامة سامقة بين النخبة الجزائرية الأصيلة التي قال فيها أهل العربية تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، والمثل يضرب لتعفف الشرفاء عن أكل الأموال المشبوهة
أو أموال الظلمة، عرفت المؤرخ بالقاهرة في شهر ديسمبر 1989م، وحضرت مناقشة أطروحته للدكتوراه، وأثار بطرس غالي لغطًا كبيرًا وهو يرد على الطالب المكافح المجتهد سي رابح بلعيد، ثم توثقت معرفتنا، وهذا من خلال مجموعة من أصدقائه بكلية العلوم السياسية والإعلام بجامعة الجزائر وعلى رأسهم الدكتور المغفور له بإذن الله منصور بلرنب، الذي كان يشاركه في محنة الدفاع عن الزعيم مصالي الحاج، كما كنت ألتقي به مع باحث شريف ومثقف متميز افتقدناه في زحمة هذه الدنيا هو الأستاذ الأنيق الدكتور صالح بوتخيل ،[ الدكتور صالح بوتخيل أصيل الجنوب الغربي الجزائري، وأعتقد أنه من عين الصفراء تحديدًا أستاذ، بمعهد العلوم السياسية اسمها مكتبة الحزب، وهي الآن مقر حزب التجمع الوطني الديموقراطي[RND]، وهو من سكان حي المجاهدين بشوفالييه، أطال الله عمره ورزقه بكل نصيحة وجهها لنا في أيام الثمانينيات أن يرزقه ربنا سبحانه وتعالى سعة في العلم وسعة في الرزق والذكر الحسن في الدنيا والآخرة.] هذا الأخير يلازم الأستاذ الدكتور منصور بلرنب[] ويعرفنا في بداية الثمانينات بأهم المصادر والمراجع التي تكشف خبايا تغلغل أبناء دفعة لاكوست[promossion Lacoste]وكل المنتفعين من الوطن في غياب الشرفاء الذين همشتهم السلطة السياسية العليا منذ فجر الاستقلال.
عمل الأستاذ رابح بلعيد بنشاط كبير لإعادة قراءة تاريخ الحركة الوطنية، وقد فعل هذا منذ نشره لكتابه الشهير حول محاضر حركة انتصار الحريات الديموقراطية في أسبوعية الأطلس المتميزة، التي نشرت في نفس الفترة دراسة أولية رائعة عن الفاعلين الحقيقيين الذين تسببوا في اكتشاف الشرطة الفرنسية للمنظمة الخاصة OS ونسبوا أمرها إلى المناضل عبد القادر خياري المدعو رحيم ظلمًا وعدوانًا كما تثبها شهادة المناضل عامر غزالي رحمه الله في كتابه شظايا تاريخ [fragments d,histoire].
قامت في سنة من السنوات الماضية جمعية عمر عزوز ببلدية حساني عبد الكريم قرية الزقم بوادي سوف بتكريم الأستاذ الدكتور رابح بلعيد وكنت أنا العبد الضعيف كاتب هذه الشهادة، من قدم سيرة مختصرة عنه إلى الجمهور، وقلت لهم على سبيل المزحة أنني أقدم لكم الأستاذ المؤرخ العصامي رابح بلعيد الذي يعتبر أول حرَّاق في تاريخ الجزائر، قبل تحريم وزارة الشؤون الدينية للحراقة.
وفي هذا الملتقى بين لنا الدكتور رابح بلعيد كنزًا لا يقدر بثمن وهو أرشيف إتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين وأطلعنا على صور أساتذتنا خاصة صور المغفور لهما الدكتور موسى لقبال، وشيخ المؤرخين الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمة الله على الجميع .[ من الشهود على هذه الجلسة أذكر الدكتور مسعود كواتي، الأستاذ الدكتور إبراهيم لونيسي، والمغفور له بإذن الله المؤرخ إبراهيم مياسي رحمه الله، الدكتور محمد الشريف سيدي موسى، الأستاذ الفاضل مديني بشير.]
وكنا أول من نبه الدكتور رابح بلعيد إلى مسؤوليته الكبرى أمام الله إذا أتلف أو ضيع هذا الأرشيف الثمين وهو كنز لكل الباحثين الجزائريين، وقرأت في مسار قلم لشيخ المؤرخين الجزائريين الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله أن الدكتور بلعيد تصرف بطريقة ما بأرشيف الحكومة المؤقتة.
الأستاذ رابح بلعيد وصالح بوتخيل ومنصور بلرنب وكل القمم العالية التي عاصرناها، تغيب اليوم كما غاب قبلهم المؤرخ مولاي بلحميسي، والمؤرخ يحيىى بوعزيز، والمؤرخ عبد الرحمن الجيلالي، والشيخ أحمد توفيق المدني، هذا القامات العالية التي مثلت عصر الاستقلال ، بنزاهتها وإخلاصها في العمل.
رحم الله سي رابح بلعيد الذي رحل عنا وفي قلبه غصة من المتغربين أو التغريبيين، كما يسميهم هو، فرجائي وندائي إلى أهله أولا وإلى أحبابه بعين الدفلى وباتنة أن يحافظوا على أرشيف الدكتور المؤرخ وأن يسلم إلى يد أمينة تستطيع أن تبلغه إلى الأجيال التي هي في أمس الحاجة إلى معرفة الحقيقة ، كل الحقيقة بعيدًا عن التزييف والتزوير وقلب الحقائق، سلام عليك في الخالدين واجتباك مع الصالحين وعوضنا فيكم جميعًا رجال المدرسة التاريخية الأصيلة صبرًا وحسن الخاتمة.
الأستاذ الدكتور محمد الأمين بلغيث
جامعة الجزائر1 بن يوسف بن خدة


