أمريكا بين الاستكبار والإنهيار في ظِلِّ مَعَالم النِّظَام الدُّولي الجديد
بقلم/ أ.د.محمد الأمين بلغيث، جامعة الجزائر
أين نحن من عيون الغرب؟ وكيف تكون السيادة بعيون واشنطن خاصة؛ ونحن الآن نخطوا خطوات عملاقة نحو العدمية، أقول أننا أمام صليبية جديدة، دشنها الرئيس الأمريكي جورج ولكر بوش العائد بقوة إلى البيت الأبيض في عهدة ثانية، بعد أن أقنع الناخب الأمريكي أن أمن أمريكا فوق كل اعتبار.وتهيأت النفوس لقبول الأنموذج الأمريكي بوصفه الأنموذج المطلق والنهائي في الفكر الإنساني، ولا يمكن للفكر الإنساني أن ينتج أحسن منه في الحاضر والمستقبل وفق ما يراد تسويقه من رؤى ومعارف.
وأعتقد أن الأمة الموحدة، لا الدول المجزأة منقوصة السيادة هي القادرة على الممانعة والتحدي، كما ذهب إلى ذلك هشام جعيط في كتابه المتميز ” أوروبا والإسلام(صدام الثقافة والحداثة)” إن الأمة العربية هي أمة الثقافة، كما كانت الأمة أمة دينية.إنها ليست كذلك سياسيا بمعنى أنها مغطاة ببنية الدولة القسرية، ولها كذلك بالمعنى الذي تأكدت فيه بالنسبة للعالم الخارجي كمتحد صلب، لا يتجزأ، شبه أسطوري، واع بعمق وحدة المصير، لهذا ينبغي أن تكون البنية الفوقية التي تشرف على الدول الأقطار، وتمنحها وجودًا في العالم وموقعًا في التاريخ العالمي.
تعتبر السيادة في عالمنا المعاصر من المسائل التي بدأت تطولها الدول والجهات الفاعلة في زماننا ونضرب أمثلة على ذلك:” إن حرب الخليج الثانية (17 يناير 1991م) هي بداية لحرب حضارية عالمية كما ذهب إلى ذلك الدكتور المهدي المنجّرة، وقد عبرت هذه الحرب عن سياسة المكيالين للدول الغربية وعلى رأسها حامية العروش المتهاوية والمستبدة (أمريكا).حتى صرخ هيلموت ميركلين مستشار لسياسات النفط والغاز، وهو أستاذ الهنسة البترولية بولاية تكساس، فقال: دعوا للعراق نفطه..وعائداته، وهو يمثل وجهة نظر أمريكة مغيارة للتطرح الأمريكي المتصهين، وهذا في مقالة كتبت خصيصًا إلى مجلة متخصصة في اقتصاديات الشرق الأوسط واسعة الانتشار بين رجال المال والأعمال.
وقد كانت من مبادئ الأمم المتحدة عدم التدخل في النزاعات الداخلية لأية دولة مهما كانت سلطتها وقوتها العسكرية ولكن الغرب والأمم المتحدة معا سلطة قانونية وعسكرية واحدة.
ومنذ هذه الحرب المدمرة التي خسر فيها العالم الإسلامي أزيد من 689 مليار دولار والقضاء على البنية التحتية لقوة جهوية فاعلة في العراق كلّها معًا طرحت على مستوى الأفكار، مبادئ تدخل الغرب في شؤوننا الداخلية ولهذا فعودة الغرب هذه المرة في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين تتميز بالمظاهر الآتية:
التدخل في شؤون الدول والقضاء على مبدأ من مبادئ السيادة والاستقلال مثال:
لما شرعت المؤسسات الإدارية الجزائرية في تنظيم الانتخابات التشريعية لعام 1991م، وبصورة وأخرى أراد الغرب تخويف الجزائريين، فأعلن الساسة العسكريون في الغرب وعلى رأسهم أمريكا إقامة مناورة عسكرية سلمية للحلف الأطلسي أمام الساحل الجزائري، وهذه المناورات العسكرية فيها تخويف للناخبين وللسلطة العليا في البلاد لعدم إقامة مشروع (ديموقراطي) قد يمرر حٍزْبًا سياسيا مناقضا في آرائه ومبادئه لأفكار وآراء وطموحات الغرب… أليس هذا تدخلا في شؤون البلد الداخلية وتحديا لسيادة الدولة وفقا لقانون المجتمع العالمي المعاصر والأمثلة كثيرة ؟
وضمن هذه الآلية، تظهر الإشارة إلى الإسلاميين، بشكل مباشر أو غير مباشر باعتبارهم أعداء لحقوق الإنسان والديمقراطية يسعون إلى“استخدام الديمقراطية للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها”.
وفي مرحلة ثانية أنشأ الغرب وقنن قوانين حرّية التدخل وحماية الأقليات ” وحق التدخل”، لقوة أجنبية في شؤون دولة ذات سيادة يعبر عن النظرة العدوانية للغرب تجاه الدول الإسلامية التي تناهض الغرب خصوصا.
التجأ الغرب في مرحلة سابقة إلى الحرب الاقتصادية والمتمثلة في سيطرة البورصات الغربية على أسواق المواد الأولية (نفط، غاز، موز، قهوة كاكاو، أرز، قمح، سكر، وغيرها من المواد الاستهلاكية والصناعية) وكان دائما يعمل من أجل خيراته وخيرات مواطنيه دون النظر إلى المنتجين في الجنوب الفقير، وفي مرحلة من مراحل هذه السياسة اتبع الغرب سياسة تفقير الجنوب مع تحالف مبدئي بينه وبين الحكومات العميلة والمتواطئة معه منذ الاستقلال فدخلت معظم دول الجنوب تحت سيطرة صندوق النقد الدولي ( ( F.M.I.وهو شعار خراب اقتصاديات دول العالم الثالث وتبعية الجنوب لهذه البنوك هو احتكار أكيد لسيادة هذه الدول على ثرواتها.
وآخر ما وصل إليه الغرب للدوس على سيادة واستقلال الدول هو تشريع حق التدخل
” باسم حقوق الإنسان “ و”حماية الأقليات” وهذه الشعارات كلها وسائل دُبّرت بإحكام للسيطرة على الجنوب، وخلق بؤر توتر تزيد في تحدي سيادة الدولة على إقليمها وعلى شعب الدولة، كما هو كائن في الأمازون وغريلاند وأستراليا، ثم منطقة مسار الطوارق بالصحراء الكبرى لا قدر الله
أو غيرها من المناطق التي توجد بها أقليات وشعوب بدائية تسيطر على أقاليم وأراضي بها معادن نفيسة تسيطر عليها بموجب حق الحماية؛ الشركات العابرة للقارات والمتنفذة في أجهزة الدول الكبرى الاقتصادية والعسكرية والسياسية،كما كان الاستعمار الاستيطاني في العصر الحديث. وأما السيطرة الإعلامية والغزو الفكري والقنوات العابرة للقارات دون رادع قانوني أو جمركي كلّها في زماننا تطرح مسؤوليات الإسلاميين والقانونيين والمجتمع المدني لقراءة هذا الواقع وهذه الإمبريالية الجديدة والتّصدي لها يحتاج إلى مشروع ضخم فكري وسياسي وقانوني واقتصادي حتى نتمكن من وضع أرجلنا على أرض الواقع قبل أن يبتلعنا الغرب كلنا مرّة واحدة. خاصة بعد دخول دول الشر؟(أفغانستان، العراق مباشرة تحت الاحتلال الأمريكي بقواته العسكرية العابرة للقارات، فلمن سيكون الدور القادم، سوريا، إيران، خاصة بعد تجنب ليبيا الضربة الرادعة والاحتلال المباشر بعد الصفقة الأخيرة مع الغرب، فهل تنجو ليبيا؟ أم أن القرآن قد فصل في أمر الغرب منذ نزول الآية {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}البقرة [2/120] قد قال قبل هذا واحد من الجزائريين المغفلين، وهو يطلب وظيفة مدير مؤسسة تربوية، وقد استوفى شروط الالتحاق بالمجتمع الغازي الغربي للجزائر وبعد أن تجنس وتخلى عن أحواله الشخصية ليندمج في المشروع الفرنسي التغريبي، قال له مدير التوظيف، يا سيدي أنت جزائري الأصل؛ فقال بعد خروجه مهزومًا من أكذوبة كبيرة رددتها قوانين المساواة بين الفرنسي المعمر رمز نفايات الغرب والأهلي الجزائري الذي تعرض طوال سبعين سنة من المقاومة إلى أبشع قتل ونفي من حقه في الحياة والكرامة البشرية في دولة العدالة والحرية والمساواة، ودولة بشر فيها ألكسيس دي توكفيل بانتصار الديموقراطية، وجول فيري رائد المدرسة العمومية والتعليم للجميع، ما عدا الجزائريين فقال وهو يلتفت يمينًا ويسارًا من سذاجته وخبث الساسة رواد الحملة الصليبية المقدسة على الجزائر “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ولو اتبعت ملتهم”.لأن الغرب يعيش دومًا بعقدة الفوقية والاستكبار وهما مرض البشرية { إن الإنسان ليطغى، أنْ رآه استغنى}[العلق:96/6-7].
لقد طفح الكيل، فهل بقي للمجتمع الدولي قيمة تذكر أمام بناء عالمي جديد أحادي القطب يقوم على إلغاء أي دور ولو هامشي للأمم المتحدة، يحارب بسلاح حقوق الإنسان وينتهكها ويحمي أكبر المجرمين، إنه يستخدم تهمة(الإرهاب) ضد كل حركة تطالب بتصحيح الموقف الدولي من حقوق العرب والمسلمين.
أو تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، ويستخدم تهمة انتهاك حقوق الإنسان لمحاربة ومحاصرة أية دولة تتخذ موقفًا مباينًا أو معارضًا للسياسات الغالبة والسائدة في العالم الغربي فهل بعد ذلك نتحدث عن سيادة الدولة. وبدأ فرض الأوامر الأمريكية بعد احتلال العراق في عملية استعراضية مهينة على المباشر لجلد ما بقي من روح في هذا الجسد الإسلامي المنهك عبر القرون الماضية منذ أن أصبحنا نعيش العصر الغربي وهذا منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، أي بداية من تشكل المركزية المسيحية الأوروبية ومحاولة طرد المسلمين من أوروبا الجنوبية الغربية.وانتصر الغرب لوحدته العسكرية والسياسية في المرحلة الأولى على الرغم من تخلفه على“الشرق بمدنه التجارية الكبيرة والمتطورة في الميدان الاقتصادي أكثر من الغرب، القروي أساسًا”.
وقد عَلَّمَت الحروب الصليبية المسلمين والبيزنطيين على حد سواء أن يكرهوا الغرب كما لم يكرهوه من قبل وقد خلص دبلوماسي بيزنطي إلى أن ” الغرب يعني الحرب والاستغلال؛ وروما الغربية هي أم الشرور كلها “.
نحن نعيش الزمن الغربي الأمريكي المتصهين تحديدًا بكل أبعاده، ومهما حاول رجال الإصلاح والحداثة إقناعنا بأن الخير كل الخير في استغلال هامش المنصفين في ردع عدوانية الغرب فإنني أكاد أجزم أن القوة وحدها كافية بإقناع الغرب لاحترام سيادتنا على ثرواتنا، وسيادتنا على مجالنا الجوي والبحري، وسيادتنا على برامجنا التربوية والعلمية والصناعية، ومن حقنا أن نموت بشرف على أن نرهن أرضنا وكرامتنا لجبروت من لم يرحم الأندلسيين أيام سقوط غرناطة، ولا رحموا الهنود الحمر وهم شعوب مسالمة ذات تقاليد إنسانية راقية في التضامن والعمل الجماعي.
ولم ترحم قوات المارينيز من كانوا مع صدام أو مع حزب الدعوة فالكل سواسية كأسنان المشط أمام جيش الاحتلال الأمريكي للعراق بكل شرائحه وطوائفه. هذا حال العالم بعيون واشنطن، وصقور البيت الأبيض وكبريات شركات الكارتل البترولية في الوطن العربي خاصة، كما كان عليه الحال أيام السلم الروماني
(كل الطرق تؤدي إلى روما)، ومن ليس رومانيا فهو من البرابرة، وقد صرح سادة البيت الأبيض الأمريكي: “من ليس معنا فهو ضدنا”، منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م، التي جرحت كبرياء الغول الأسطوري الذي عرفناه في ملاحم الصراع بين أثينة وإسبرطة.
والرئيس الأمريكي هو الشريف الذي لا يهزم في الغرب الأمريكي من خلال مخيال أفلام الفارويست الشهيرة. فهل واشنطن هي أم الشرور كلها؟، فكيف حال أمريكا بين الاستكبار وسنة الانهيار التي يحلم بها عرب هذا الزمان،-ومعهم دعاة حوار الحضارات بؤساء القرن الواحد والعشرين – دون التفكير الجدِّي كما فعل أسلافهم، حينما تمكنوا من الانتصار على الريح الأصفر أيام الغزوات البربرية للمغول، والقوى الصليبية من الحملات الصليبية الشعبية، إلى الحملات الصليبية المنظمة عن طريق البابوية وملوك أوروبا.
وقد فهم أسلافنا أن أغلى الجواهر تلد في أعتى الأمواج، لهذا فبديلنا هو التحدي وتجميع قوانا وإمكانياتنا قبل أن يأتي علينا الطوفان الأمريكي.لأننا أمام حضارة داروين الذي يؤمن بالبقاء للأصلح، ولسنا أمام حضارة ديكارت؟ لأن الغرب هزمنا في الميدان؛ لأن المسألة ليست مسألة عقل قدر ما هي قضية قوة.ولأن قيام” الكتلة التاريخة” بين التيارات الرئيسية في الأمة بات خيارها الوحيد لمواجهة الهجمة التي تستهدف وجودها وهويتها واستقلالها ومواردها معًا”.
وأمام أضحوكة أسلحة الدمار الشامل والبحث في مغارات علي بابا عن أسامة بن لادن ورجال القاعدة، ضاعت أحلام المغفور له بإذن الله أبو عمار في قيام دولة فلسطين، بعد أن بات العدو الصهيوني يغتال زعامات الجهاد الواحد بعد الآخر.كما تعيش أرض الرافدين صحوة يقوم بها رجال الصدر نيابة عن عرب العار، وتمت خيانته وخيانة نموذجه الفذ في رفض الاحتلال من طرف السيستاني والبدائل الشيعية العميلة للوجود الأمريكي، فهل ما نشاهده في المثلث السني من دمار شامل وحرب إبادة فاتحة خير للمقاومة الشاملة، فهل يتحقق المشروع الأمريكي في السيطرة على كياناتنا العربية الورقية التي لا تخيف عدو ولا تفرح صديق؟مع العلم أن الولايات المتحدة هي أكثر قوة مما يمناه خصومها، وأقل قوة مما تعتقده هي.


